مدرب النصر.. لاعب القرن وتلميذ الأسطورة ورجل الهجوم
«أحب الفوز، فهذا هو الأمر الأساسي بالنسبة لي. لكن في الوقت نفسه، من المهم جدًا بالنسبة لي أن يقدم الفريق كرة قدم مثيرة، يتحدث عنها الناس، لا بسبب النتيجة النهائية فقط، بل أيضًا بسبب الطريقة التي لعب بها».. هكذا يُعرِّف آنج بوستيكوجلو، المدرب الجديد لفريق النصر الأول لكرة القدم، نهجه الفني وعقليته التدريبية. أما بداية الحكاية، فكانت في ضاحية نيا فيلادلفيا، شمال غربي أثينا، العاصمة اليونانية، حيث أبصر النور عام 1965.
في تلك الضاحية التي أسَّسها مهاجرون من تركيا وفدوا بموجب اتفاقية تبادل السكان بين البلدين عام 1923، تمنّى أفراد العائلة ألا يغادروا اليونان، لكنها السياسة، عصفت باستقرارهم، وأفقدت والده ديميتريس تجارته إثر الانقلاب العسكري عام 1967، فشدّوا الرحال إلى أستراليا وقتما كان آنج في الخامسة من عمره، وهناك بدأت تتشكل ملامح رحلته مع كرة القدم.
وبعد 4 أعوام، التحق آنج بساوث ملبورن، نادي المدينة التي ترعرع فيها، وتدرّج في صفوف الناشئين ثم صعد إلى الفريق الأول ولعب بقميصه 193 مباراة بين 1984 و1993 شاغلًا مركز الظهير الأيسر، وحقق بطولتي دوري.
لكن الملمح الأبرز في تلك المرحلة لم تكن الألقاب، بل تتلمذه على يد المدرب المجري فيرينك بوشكاش، أسطورة كرة القدم، الذي طالما سمع عنه من والده في طفولته. وكشف بوستيكوجلو لاحقًا عن اعتماد بوشكاش طريقة 4ـ3ـ3، بظهيرين ثابتين وأجنحة هجومية، وهي الفلسفة التي شكّلت أساس أفكاره التدريبية ولا يزال يتبنّاها حتى اليوم.
وعلى وقع تعرضه لإصابة في الركبة اضطر ساوث ملبورن إلى الاستغناء عنه، وهو في السابعة والعشرين من عمره، ليخوض خارج النادي تجربتين قصيرتين في الدرجات الأدنى، علق بعدهما حذاءيه نهائيًا وهو في الثلاثين. ورغم تلك النهاية المبكرة، اختير عام 2000، بناءً على تصويت الجماهير ولجنة من الخبراء، ظهيرًا أيسر في تشكيلة القرن لساوث ملبورن.
ودوليًا، امتدت مسيرته من فئة الشباب عام 1985 إلى المنتخب الأسترالي الأول، الذي ارتدى قميصه أربع مرات بين 1986 و1988.
ومن بوابة ساوث ملبورن، فريق مسيرته الاحترافية ذاته، بدأ بوستيكوجلو ترسيخ اسمه في عالم التدريب خلال النصف الثاني من عقد التسعينيات، وبعده قاد بريزبن رور إلى لقبي دوري أسترالي متتاليين عامي 2011 و2012.
وتواصل صعوده بإيصال المنتخب الأسترالي إلى كأس العالم «البرازيل 2014»، ثم منح «الكنغر» أول لقب كأس آسيا في تاريخه عام 2015، قبل قيادته مجددًا إلى المونديال في روسيا 2018، واستقال بعد التأهل لهذه النسخة مباشرة ولم يحضرها.
وبعد نجاحه مع يوكوهاما مارينوس وإحراز لقب الدوري الياباني 2019، واصل تألقه مع سلتيك الإسكتلندي، محققًا لقبَي دوري متتاليين 2022 و2023، وهي الإنجازات التي مهدت طريقه إلى تدريب توتنام الإنجليزي.
وفي وقتٍ أحاطت فيه التساؤلات بتعيين مدرب لم يسبق له العمل في «البريمييرليج»، ويحمل جنسية لم تمر من قبل أبدًا على البطولة، خرج دانيال ليفي، رئيس توتنام، ليوضح دوافع اختيار بوستيكوجلو مبررًا الخطوة بما وصفه بعقليته الإيجابية ونهجه الهجومي، قائلًا: «آنج يجلب عقلية إيجابية وأسلوب لعب سريعًا وهجوميًا، كما يمتلك سجلًا قويًا في تطوير اللاعبين، ويفهم أهمية الربط مع أكاديمية النادي، وهي أمور تمثل كل ما يهم نادينا».
وفي أول حديث له إلى الجماهير ووسائل الإعلام الإنجليزية، قدّم بوستيكوجلو نفسه بالطريقة التي يريد أن يُعرف بها، كاشفًا عن نزعته الهجومية وفلسفته في اللعبة، بقوله: «أحب الفوز، فهذا هو الأمر الأهم.. لكن من المهم أيضًا بالنسبة لي أن ترتبط فرقي بكرة قدم ممتعة يتحدث الناس عنها، ليس بسبب النتيجة فقط، بل بسبب الطريقة التي لعبت بها. الناس يريدون رؤية فريقهم يسجل الأهداف، ويقدم كرة مثيرة، ويتعامل مع المباريات بعقلية هجومية، وهذا ما أسعى إلى تقديمه».
وعلى الرغم من الإشادة بفلسفته الهجومية، لم يسلم الأسترالي من انتقادات الإنجليز، فقد رأى محللون أن اندفاعه الهجومي وخطه الدفاعي المرتفع يتركان فرقه مكشوفة أمام الهجمات المرتدة.
وجاءت ليلة السقوط أمام تشيلسي 1-4 ضمن بطولة الدوري في 6 نوفمبر 2023 لتتحول إلى لحظة فارقة في الجدل حول أسلوبه، بعدما أصر على الإبقاء على خطه الدفاعي المتقدم رغم اللعب بتسعة لاعبين عقب طرد ثنائي الخط الخلفي الأرجنتيني كريستيان روميرو والإيطالي ديستني أودوجي.
حينها، وصف جاري نيفيل، نجم مانشستر يونايتد السابق، تمسكه بالخطة بأنه «ساذج»، مشيرًا إلى تجاهل المدرب ظروف المباراة. لكن الأسترالي تمسك بقناعاته، ورد قائلًا: «هذه هويتنا، وستظل كذلك ما دمت هنا. حتى لو لعبنا بخمسة لاعبين، سنواصل الهجوم».
وفي موسمه الأول، أعاد المدرب توتنام إلى أوروبا بإنهائه الدوري خامسًا، وفي الثاني، فك شفرة الألقاب المستعصية على الفريق طوال 17 عامًا، بإحراز بطولة الدوري الأوروبي، لكن الفلسفة التي حملته إلى المجد القاري كانت ذاتها التي أطاحت به، إذ قادت النتائج المحلية الكارثية الفريق إلى المركز السابع عشر، لتسدل الستار على تجربته رغم الكأس الأوروبية.
وردًا على قرار إقالته كال المدرب هجومًا لاذعًا على النادي وتاريخه قائلًا: «بنوا ملعبًا مذهلًا ومرافق تدريب مذهلة، لكن عندما تنظر إلى حجم إنفاقهم، وخصوصًا هيكل الأجور، فإنهم ليسوا ناديًا كبيرًا». وقال أيضًا: «عندما تدخل توتنام ترى في كل مكان شعار: الجرأة هي الإنجاز، لكن تصرفاتهم تكاد تكون نقيض ذلك. لا أعتقد أنهم أدركوا أن الفوز يتطلب أحيانًا المجازفة».
وعقب ثلاثة أشهر فقط على رحيله عاد مجددًا إلى إنجلترا بعدما رأى نادي نوتنجهام فورست أن نجاحه في إنهاء صيام توتنام عن الألقاب، يجعله الرجل المناسب لقيادة المرحلة التالية من مشروع النادي. ووقت إعلان التعاقد معه، قال اليوناني إيفآنجلوس ماريناكيس، مالك النادي: «نتعاقد مع مدرب يملك سجلًا مثبتًا ومتواصلًا في الفوز بالألقاب. خبرته في تدريب الفرق على أعلى مستوى، ورغبته في بناء شيء مميز معنا، تجعله الشخص المثالي لمساعدتنا على تحقيق طموحاتنا. نريد الآن اتخاذ الخطوة التالية لمنافسة أفضل الفرق والتتويج بالألقاب، وآنج يمتلك المؤهلات والسجل اللازمين لتحقيق ذلك».
لكن التجربة لم تدم سوى 39 يومًا، إذ عجز الفريق عن تحقيق أي انتصار في ثماني مباريات، واكتفى بتعادلين مقابل ست هزائم، ليقرر النادي إنهاء التعاقد معه عقب الخسارة أمام تشيلسي 0ـ3، مبررًا القرار بـ«سلسلة من النتائج والعروض المخيبة للآمال».
وطوى بوستيكوجلو بذلك آخر محطاته التدريبية، قبل اختياره من قِبَل إدارة النصر لقيادة مشروعه الفني خلفًا للبرتغالي جورجي جيسوس، في تحدٍ لمواصلة مسيرة فريق تُوِّج بلقب دوري روشن السعودي الموسم الماضي.